الجاحظ

144

رسائل الجاحظ

فوق كل فارس مشهور وقائد مذكور . وقد قرأت على العلماء كتاب الفجار الأول والثاني والثالث وأمر المطيبين والاحلاف ومقتل أبي أزيهر ومجيء الفيل وكل يوم جمع كان لقريش فما سمعت لعمرو هذا في شيء من ذلك ذكرا . فإن قلت : إن نبل القاتل زيادة في نبل المقتول فكل من قتله علي بن أبي طالب رضوان اللّه تعالى عليه أنبل منه وأحق بالشهرة ، ولكن أشعار ابن ود ومناقلة الصبيان في الكتاب هما اللتان أورثتنا ما ترى وتسمع . فصل منه في أمر الأخبار - وإنما ذكرت هذا لتعلم أن الخبر قد يكون أصله ضعيفا ثم يعود قويا ويكون أصله قويا فيعود ضعيفا ، للذي يعتريه من الأسباب ويحل به من الاعراض من لدن مخرجه وحصوله إلى أن يبلغ مدته ومنتهى أجله وغاية التدبير فيه والمصلحة عليه ، فلما كان هذا مخوفا وكان غير مأمون على المتقادم منه وضع اللّه تعالى لنا على رأس كل فترة علامة وعلى غاية كل مدة أمارة ليعيد قوة الخبر ويجدد ما قد هم بالدروس من أنباء المرسلين عليهم الصلاة والسلام أجمعين ، لأن نوحا عليه السلام هو الذي جدد الأخبار التي كانت في الدهر الذي بينه وبني آدم عليه السلام حتى منعها الخلل وحماها النقصان بالشواهد الصادقة والامارات القائمة . وليس أن أخبارهم وحججهم قد كانت درست وأفلت ! بل حين همت بذلك وكادت بعثه اللّه عز وجل بآياته لئلا تخلو الأرض من حججه ، ولذلك سموا آخر الدهر الفترة ، وبين الفترة والقطعة فرق . فاعرف ذلك . ثم بعث اللّه عز وجل إبراهيم عليه السلام على رأس الفترة الثانية التي كانت بينه وبين دهر نوح ، وإنما جعلها اللّه تعالى أطول فترة كانت في الأرض لأن نوحا كان لبث في قومه يحتج ويخبر ويؤكد ويبين ألف سنة إلا خمسين عاما ، ولأن آخر آياته كانت أعظم الآيات وهي الطوفان الذي أغرق اللّه تعالى به جميع أهل الأرض ، غيره وغير شيعته ، وإنما فار الماء من جوف تنور ليكون أعجب للآية وأشهر للقصة وأثبت للحجة . ثم ما زالت الأنبياء صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين بعضهم على أثر بعض في الدهر الذي بين إبراهيم وبين عيسى عليهما السلام فترادف حججهم وتظاهر أعلامهم وكثرة